أول ما تلاحظه وأنت تدخل أن المداخل بمقاسات خاطئة. منحوتة مباشرة في المخاريط الصخرية، صغيرة مربّعة معتمة، وعلى ارتفاعات لا تتوافق مع أي أرض يمكن أن تقف عليها، لأن الأرض التي كانت تصل إليها قد تآكلت من تحتها. سُلّم يصعد إلى لا شيء. وباب ينفتح على الهواء.
يقضي معظم الناس هنا أقلّ من ساعة، ثم ينصرفون وقد رأوا «بعض الكنائس الكهفية». وهذا مؤسف، لأن الموقع قابل للقراءة إن عرفت إلى ماذا تنظر، وما تنظر إليه ليس متحفًا في حقيقته.
ليس متحفًا، بل ديرًا له مطبخ
متحف غوريمه المفتوح هو القلب المسوَّر لما كان، على مدى قرون، واحدًا من أهم مراكز الحياة الرهبانية البيزنطية في العالم. و«المتحف» تسمية إدارية حديثة. أما ما يقع داخل السياج فهو مستوطنة: أماكن للصلاة، نعم، وأماكن أيضًا للأكل والطهو والتخزين والنوم، كلها منحوتة في الصخر اللين نفسه.
والمقاصف هي الدليل على ذلك، وهي أكثر ما لا يُلتفت إليه في الموقع. في عدد منها مائدة طويلة ومقاعدها مقطوعة من الصخر الحيّ في كتلة واحدة: لا أثاث وُضع في غرفة، بل غرفة وأثاثها حُفرا معًا بوصفهما جسمًا واحدًا. تنتهي المائدة عند رأسها بحنيّة مقوّسة، وفي الجدران الجانبية كوى صغيرة على مسافات، للمصابيح وللأواني.
قِف عند إحدى تلك الموائد لحظة قبل أن تمضي. جماعة تنحت مائدتها كلها نحتًا دائمًا في وجه صخرة ليست جماعة عابرة.

لماذا احتفظت الكنيسة المظلمة بلونها
الكنيسة المظلمة تُدخَل بتذكرة منفصلة عن باقي الموقع، وهي الشيء الوحيد هنا الذي يستحقّ أن تتكبّد من أجله مشقّة إضافية.
واسمها هو تفسيرها في الوقت نفسه. نُحتت من غير فتحة تُذكر إلى الخارج، نافذة صغيرة واحدة عمليًّا، فصار داخلها شبه معدوم الضوء. وقرون من ذلك الظلام هي السبب في أن ألوان القرن الحادي عشر على جدرانها ما زالت تُقرأ لونًا: أزرق عميق، وأحمر، وترابيّات صفراء، وشخوص بوجوه مُظلَّلة، ومشاهد يمكنك متابعتها فعلًا. في بقيّة الوادي بهتت الجداريات حتى صارت خطوطًا وأشباحًا. وهنا لم تبهت.

والنصف الآخر من الحكاية ترميم. فقد استُعمل الداخل أجيالًا برجَ حمام، ودُفنت الرسوم تحت ما تراكم من فضلات؛ واستعادتها استغرقت سنوات من التنظيف الدقيق. ويستحقّ هذا التفصيل أن تحمله معك في بقيّة الموقع، لأن فتحات الحمام التي تراها في جدران الوادي بالخارج هي الممارسة نفسها، ونظام أبراج الحمام في المنطقة ظلّ يُسمّد كرومها قرونًا.
ومن حيث العمارة تتّبع الكنيسة المظلمة مخطّط الصليب المحاط بمربّع: أربعة أعمدة، وثلاث حنيّات، وقبّة مركزية، وكلها منحوتة في الصخر لا مبنيّة.
الأمر الذي لا يشير إليه أحد
وهو ما يقودنا إلى أطرف حقيقة عن كل كنيسة في هذا الموقع، وتستحقّ أن تُؤخذ حتى لو نسيت كل ما عداها.
لا شيء من هذه العمارة يحمل شيئًا.
الكنيسة المبنيّة تحتاج أعمدة لأن القبّة لا بدّ لها من حامل. وتحتاج عقودًا لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لتخطّي فراغ في حجر تراصفه فوق بعضه. أما الكنيسة المنحوتة في الصخر فلا تواجه هذه المشكلة أصلًا: أنت تنزع مادة من كتلة صلبة، والسقف يبقى في مكانه لأنه جزء من الجرف. الأعمدة هنا لا تسند شيئًا. والأقبية لا تعبر فراغًا. والقبّة شكل مقطوع في سقف كان سيثبت ثباتًا تامًّا لو تُرك مسطّحًا.
ومع ذلك نحت البناة كل عنصر من تلك العناصر بأمانة، وبجهد إضافي لا يُستهان به، لأن هكذا كانت الكنيسة تبدو. إنها العمارة بوصفها لغةً لا هندسةً إنشائية: جماعة تعيد إنتاج شكل العالم البيزنطي الذي تنتمي إليه، في وسيط لم يكن أيّ من ذلك ضروريًّا فيه من الناحية الإنشائية.
وما إن تراه حتى يصير من المستحيل ألّا تراه، وتصير كل كنيسة صغيرة في الموقع أكثر إثارة للاهتمام.
توكالي، على الجهة الأخرى من الطريق
تقع كنيسة توكالي خارج السياج الرئيس، على مسافة قصيرة سيرًا في اتجاه البلدة، ويفوتها عدد غير قليل من الزوّار تمامًا، لأنهم يكونون قد سلّموا تذاكرهم واتّجهوا نحو موقف السيارات.
لا تفوّتها. هي أكبر كنائس المنطقة، وتحمل أوسع برنامج جداريّ في كابادوكيا كلها: دورة سردية كثيفة على الجدران والأقبية، بدرجة زرقاء عميقة لا نظير لها داخل الموقع الرئيس. فإن كنت لن تتأمّل هنا سوى فضاءين، فليكونا الكنيسة المظلمة وهذه.
كيف تسير في الموقع
الموقع حلقة على منحدر: صعود، وصخر غير مستوٍ تحت القدم، ودرجات بلا درابزين. البس حذاءً يمسك الأرض.
اذهب مبكّرًا. هذا أكثر مواقع المنطقة زيارةً، وهو على مسارَي الجولتين الكبريين معًا، ما يعني أن منتصف الصباح يجلب الحافلات فتصير الفضاءات الصغيرة غير محتملة فعلًا؛ فبعض هذه الكنائس لا يتّسع إلا لعدد قليل جدًّا في وقت واحد، والطابور أمام باب منخفض يتقدّم ببطء.
امنحه وقتًا أطول مما نويت، وأطول بكثير مما تخصّصه له جولة. والفارق كله في أن تنظر إلى الرسوم فعلًا أو أن تصوّرها وتمضي. والتصوير مقيّد داخل بعض الكنائس؛ واللافتات هي المرجع، وهي تتغيّر.
ما الذي يميّزه عن باقي المواقع الصخرية
يستحقّ أن تعرفه كي لا تحجز ثلاث نسخ من الزيارة نفسها.
غوريمه هو القلب الديني المركّز، الأفضل حفظًا والأكثر تزيينًا بالرسوم. وإن لم تزر إلا موقعًا واحدًا، فليكن هو.
زيلفه قرية لا دير، سكنها الناس حتى خمسينيات القرن الماضي، فتُقرأ بوصفها بيوتًا وطاحونة ومسجدًا وكنيسة في الوادي نفسه، وأنت تتسلّق داخلها بدل أن تطلّ عليها.
كنائس وادي إهلارا في الجنوب متناثرة على امتداد وادٍ نهريّ أخضر، ومعظمها مفتوح بلا حرّاس، وهي مواجهة مختلفة تمامًا عن موقع بتذاكر وقيّمين.
أسئلة مختلفة، وأماكن مختلفة. وهذا الموقع يجيب عن سؤال واحد: ماذا بنت جماعة رهبانية بيزنطية حين توفّر لها جرف وأربعمئة سنة.
ثم اخرج من بين المخاريط وأبوابها المفتوحة على الفراغ، ليبدأ التآكل الذي أزال الأرض من تحتها أقلّ شبهًا بالاندثار وأكثر شبهًا بأبطأ إخلاء ممكن.

