المدخل غير لافت: باب في مبنى منخفض على شارع عادي، وشبّاك تذاكر، ودرابزين. ثم تميل الأرضية، وينزل السقف ليلاقيك، وبعد دقيقة تقريبًا تجد نفسك منحنيًا من خصرك تتقدّم في نفق مائل لا يكاد يزيد عرضه على عرض كتفيك، وخلفك طابور من الناس، ولا سبيل إلى الاستدارة.
هذا هو الجزء الذي يُحسم قبل شراء التذكرة، فلنبدأ به.
القرار في كلمة واحدة
رهاب الأماكن المغلقة.
هذه الممرّات ضيّقة ومنخفضة عن قصد. فالنفق الذي يُضطرّ المرء إلى الانحناء فيه هو نفق لا يستطيع رجل مسلّح أن يجري داخله، وهذا كان المقصود بالضبط. أي أن الضيق ليس عرضًا من أعراض القِدَم أو التآكل، بل هو العمارة تعمل تمامًا كما صُمّمت، بعد كل هذه القرون، عليك أنت.
المسار في معظمه باتجاه واحد، وسقف الممرّات الواصلة أخفض بكثير من قامة الواقف، ولا مخرج سريعًا من المنتصف. بعض الناس يجدون في ذلك متعة. وعدد لا يُستهان به يبلغ منتصف الطريق فيضطرّ إلى العودة، وهو أمر شاقّ حين يكون عكس اتجاه الحركة.
وإن كنت تعرف سلفًا أن الأماكن الضيّقة مشكلة عندك، فصدّق نفسك. بقيّة كابادوكيا فوق الأرض، ولا حرج في أن تترك هذه.
دارينكويو أم كايماكلي
معظم الزوّار لا يختارون فعليًّا؛ يرون ما تتضمّنه جولتهم، وكلاهما على المسار الجنوبي. لكن إن كنت تختار:
| دارينكويو | كايماكلي | |
|---|---|---|
| الشكل | عميق وعموديّ: نزول طويل مستوًى بعد مستوى | أوسع وأخفض امتدادًا: حركة أفقية أكثر بين المستويات |
| النزول | أشدّ انحدارًا، ودرجات أكثر، وإحساس أقوى بأنك تهبط | ممرّات مائلة طويلة بدل الهبوط الحادّ |
| السمة المميّزة | بئر عمودية هائلة تمتدّ على كامل العمق، للتهوية وللماء معًا | متاهة أكثف؛ وفضاءات المعيشة والإنتاج أوضح للعين |
| اخترها إن كنت تريد | التجربة الأكثر إثارة والأعمق | النسخة الأقصر والأقلّ إطباقًا قليلًا |
ليست إحداهما «الأصلية» ولا الأخرى نسخة عنها. هما مستوطنتان من النوع نفسه، تفصل بينهما مسافة قصيرة، وتربطهما، بحسب روايات محلية متداولة، أنفاق.
وزيارتهما معًا زائدة عن الحاجة ما لم تكن مهتمًّا اهتمامًا حقيقيًّا. واحدة تكفي وتزيد.
لم تكن مدنًا
لا كلمة أفسدت طريقة تقديم هذه الأماكن أكثر من كلمة «مدينة».
لم يعش أحد هنا إقامة دائمة. لا ضوء نهار، ولا أرض تُزرع، ولا سبب للبقاء. هذه المجمّعات ملاجئ: فضاءات تستطيع جماعة كاملة أن تختفي فيها بحيواناتها وطعامها، وأن تُغلق خلفها، ما دام غزو ما قائمًا في المنطقة.
واقرأها على هذا النحو، فيقع كل تفصيل في موضعه:
- الأبواب الحجرية. ألواح دائرية ضخمة تشبه أحجار الرحى، منتصبة على حرفها في كوّة منحوتة بجانب الممرّ، تُدحرَج لتسدّه. ولا يمكن تحريكها إلا من الداخل. وهذا قرار دفاعيّ لا يحتمل أي غرض آخر.
- آبار التهوية. آبار عمودية تنزل من السطح إلى أدنى المستويات، وتتفرّع منها قنوات أصغر. كانت تُبقي الهواء صالحًا للتنفّس، والبئر الرئيسة كانت في الوقت نفسه مصدر ماء يُبلَغ من الأسفل، فلا يستطيع من في الأعلى قطعه ولا تسميمه.
- الإسطبلات في الأعلى. الماشية تدخل أولًا وتبقى أقرب ما تكون إلى السطح. وحرارة أجسادها تصعد في المجمّع؛ أثر جانبيّ نافع لقرار عمليّ.
- المطابخ والمعاصر. فضاءات طهو ما زالت أسقفها مسودّة بالسخام، وجرار تخزين منحوتة في الصخر، وأحواض لعصر العنب والزيت. فالملجأ الذي عليه أن يصمد يحتاج أن يُنتج لا أن يخزّن فحسب.
- الكنائس الصغيرة في العمق. منحوتة في المستويات السفلى، ومنها كنائس على شكل صليب، وهذا يخبرك من كان يختبئ، ومتى تقريبًا.

من حفرها، بصراحة
هنا تختار أغلب المقالات جانبًا وتقرّره في جملة واحدة. ونحن لن نفعل، لأن الأدلّة لا تسند ذلك.
الأطوار المبكّرة موضع خلاف حقيقي. بعض الروايات تنسبها إلى الحيثيين وتُرجع الأصل إلى نحو 1600 قبل الميلاد؛ وأخرى إلى الفريجيين في القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد؛ وثالثة تكتفي بالقول إن سكّانًا أوائل عملوا في الصخر البركاني اللين بأدوات يدوية. لا إجماع في المسألة، ومن يجزم لك بأيّها الصحيح فإنما يردّد نصّ مرشد سياحي.
أما ما هو مسنود جيّدًا فالطور المتأخّر. فقد وسّعت جماعات مسيحية هذه المجمّعات توسيعًا كبيرًا في العصر البيزنطي، وأضافت الكنائس، واستعملت المستويات السفلى ملاجئ أثناء الغارات الفارسية والعربية. والفخّار وآثار الأدوات وتسلسل البناء تشير إلى أطوار عمل كثيرة على مدى طويل لا إلى حملة واحدة، أي إلى قرون من جماعة تحفر قليلًا في كل جيل، لأن الطُّفّ اللين يجعل ذلك ممكنًا بأدوات يدوية.
وعامِل أرقام السعة بالمعاملة نفسها. ستسمع أن دارينكويو كان يسع عشرين ألف شخص. وهذا تقدير متداول لا قياس، كما أن أرقام العمق وعدد المستويات تختلف بين مصدر وآخر. والحجم مذهل بما يكفي من غير أن يُقرّبه أحد إلى الأعلى.

ما عُثر عليه تحت مشروع إسكان
في عامَي 2013 و2014 فتحت أعمال هدم ضمن مشروع تجديد حضري في وسط نوشهير على أنفاق، وكشفت الحفريات التالية عن مجمّع آخر بحجم فاجأ كل من شارك فيها: فضاءات معيشة، ومطابخ، وإنتاج للخمر والزيت، وكنائس، وممرّات موصولة تمتدّ كيلومترات.
وقد وصفه القائمون على الحفر والصحافة التركية بأنه ربما يكون الأكبر مما عُثر عليه في المنطقة. وخذ صيغ التفضيل هذه على ما هي عليه، أي بوصفها عبارات بيانات صحفية؛ فالموقع ما زال قيد التنقيب ومداه الكامل غير محسوم. لكنه تذكير جيّد بأن هذه الأرض لم تفرغ بعد مما تخبّئه، وبأن ما تحت شارع عاديّ في كابادوكيا ليس بالضرورة صخرًا مصمتًا.
أمور عملية، بلا أرقام
البس حذاءً يمسك الأرض. الممرّات صُقلت بزمن طويل جدًّا وأقدام كثيرة جدًّا، والمنحدرات زلقة.
اذهب باكرًا أو متأخّرًا في اليوم. هذه المواقع تستقبل المجموعات على دفعات، والممرّ الضيّق ذو الاتجاه الواحد وفيه مجموعة هو أسوأ صيغة ممكنة للزيارة.
لا تحمل حقيبة كبيرة. ستظلّ تحكّها بالجدار عشرين دقيقة.
خذ طبقة إضافية. الأسفل بارد في كل موسم؛ راحة في آب، ومفاجأة في نيسان.
لا تنزل بأطفال صغار ما لم تكن واثقًا من أنهم لن يتضايقوا من الظلام والأماكن الضيّقة. فما إن تدخل حتى يصير اختصار المسار متعذّرًا.
وحين تصعد ثانيةً، انظر إلى الشارع نظرة أخرى. تحت الأرض المستوية العادية في نصف قرى هذه المنطقة، يوجد المزيد من هذا.

