أكثر من يزور باموكالي يرى نصفها تقريبًا.
يمشون على المدرّجات البيضاء، ويلتقطون الصورة التي يلتقطها الجميع، ثم ينصرفون من دون أن يصعدوا إلى الهضبة، حيث تقوم مدينة رومانية كاملة حول الينابيع التي صنعت تلك المدرّجات أصلًا. فالمدرّجات وهيرابوليس ليستا معلمين متجاورين، بل موقع واحد، والأطلال هي سبب إدراج هذا الموقع لا مجرّد الإعجاب به.
ويوم واحد يكفي لكليهما، شرط أن يُرتَّب ترتيبًا صحيحًا.
افهم شكل المكان أولًا
تنبثق الينابيع الحرارية على هضبة. وماؤها المحمّل بالمعادن ينسكب من الحافة نازلًا على المنحدر، وكلما برد ترك خلفه كربونات الكالسيوم. وقرون من هذا العمل أنتجت المدرّجات البيضاء التي رأيتها في الصور.
أما المدينة القديمة فبُنيت في الأعلى، حول المنبع. فالجغرافيا إذن بسيطة: مدرّجات على المنحدر، ومدينة على الهضبة فوقها. وكل ما يتعلق بتخطيط اليوم ينبع من هذه الحقيقة وحدها.
القرار الذي لا يدري أحد أنه يتّخذه
هناك مدخل في الأسفل داخل البلدة، وهناك بوابات في الأعلى على الهضبة. واختيارك بينهما يحدّد زيارتك كلها، ومعظم الزوّار لا يكتشفون ذلك إلا حين تقف الحافلة.
الصعود من الأسفل يعني أن تؤدّي أولًا تسلّق المدرّجات حافيًا على المسار المخصّص، وأن تصل إلى الأطلال وقد رأيت المشهد الرئيسي. هذه هي النسخة التي فيها إحساس بالوصول، لأن المدرّجات تنكشف تدريجيًا كلما ارتفعت، وتظهر هيرابوليس مكافأةً لا واجبًا. وهي في الوقت نفسه النسخة الأشقّ: صعودًا، وحافيًا، على حجر معدني مبتلّ، والسطح الأبيض يعكس الشمس عليك طوال الطريق.
والبدء من الهضبة نزولًا يعني أن تجول المدينة وأنت في كامل نشاطك، وأن تهبط المدرّجات في النهاية. هذا أرفق بالساقين بكثير، ويضع الأطلال في اللحظة التي ما زالت لديك فيها رغبة فيها. ومقابله فتور الخاتمة، فالمدرّجات هي ما جئت من أجله، وأداؤها أخيرًا وأنت متعب تجربة تختلف عن أدائها أولًا.
إن كنت مسافرًا مع أطفال، أو مع أحد يجد صعوبة في الأرض غير المستوية، أو في عزّ الصيف، فاختر الهضبة. وإن كنت في لياقة جيدة وأردت للمكان أن يتصاعد أمامك، فاصعد سيرًا.
ترتيب اليوم وفق الشمس
المدرّجات بلا ظلّ وبيضاء. وحول هذا القيد ينحني الجدول كله.
والأطلال أيضًا مكشوفة للسماء وممتدّة، فليس في الموقع نصف مظلّل تلوذ به. لكن هناك فرقًا في الاحتمال: المشي بين الأطلال في ضوء قويّ أيسر كثيرًا من الوقوف على سطح أبيض عاكس في الضوء نفسه.
ترتيب عملي في الطقس الحارّ:
- اوصل في أبكر وقت تستطيعه.
- اقطع المدرّجات ما دام الضوء منخفضًا والحجر لم يسخن.
- اصعد إلى هيرابوليس مع ارتفاع الشمس.
- استرح عند الحوض الأثري في منتصف النهار.
- اترك المسرح والمقبرة لضوء العصر الألين.
وفي الأشهر الأبرد يمكنك أن ترخي هذا كله. فمن يأتي شتاءً أو مطلع الربيع يستطيع البدء بالأطلال بلا خسارة، والشمس المنخفضة في النصف الثاني من النهار أفضل للمدرّجات على أي حال.
ما يستحق الرؤية في الأعلى فعلًا
هيرابوليس واسعة ولم يُنقَّب جزء منها بعد، ومحاولة رؤية كل شيء هي الطريق إلى ألا ترى شيئًا كما ينبغي. ثلاثة أمور تستحقّ المشي.
المسرح هو أفضل ما بقي من أبنية الموقع بفارق واضح، محفور في المنحدر، وبناء خشبته ما زال قائمًا إلى ارتفاع معتبر. إن كنت سترى بناءً واحدًا هنا، فليكن هذا.
والمقبرة من أكبر مدافن الأناضول القديمة، تمتدّ على طول الطريق قبرًا بعد قبر، تتبدّل أشكالها وطموحها. مكان غريب وصامت، ومعظم الناس يمرّون بجانبه في طريقهم إلى المدرّجات.
والحوض الأثري ماء حراري بين أعمدة رخامية متساقطة، أعيد افتتاحه سنة 2026 بعد ترميم. وهو الموضع الوحيد الذي تسبح فيه سباحة حقيقية، لأن المدرّجات خوض من الكاحل إلى الركبة لا أكثر. وأنسب موضع له هو منتصف يومك لا نهايته.
وهناك أيضًا البلوتونيوم، ذلك الشقّ الصخري الذي وصفه الكتّاب القدامى بأنه مدخل إلى العالم السفلي، وما زال ينفث الغاز. وهو صغير، وأمتع بعد أن تعرف ما تنظر إليه منه وأنت تنظر إليه.

أمور عملية تغيّر مجرى اليوم
احمل كيسًا لحذائك، فأنت تحمله طوال المقطع الذي تمشيه حافيًا ولا مكان لتتركه فيه. وخذ ماءً أكثر مما يبدو ضروريًا، وشيئًا لرأسك. فاجتماع الضوء المنعكس مع الأطلال المكشوفة يُتعب أكثر مما توحي به درجة الحرارة وحدها.
والبس ما يمكنك أن تجول به مدينة أطلال. يصل الناس بملابس مختارة لصورة المدرّجات، ثم يجدون أنفسهم ساعات على أرض متكسّرة.
ولا تضع في مسائك شيئًا يحتاج جهدًا. اليوم الكامل هنا كامل فعلًا.
إن لم يكن أمامك سوى نصف يوم
اقصد المدرّجات والحوض الأثري، واقبل أنك تتخطّى المدينة. هذه زيارة مشروعة وشائعة.
لكن إن كان الخيار بين استعجال الاثنين وإتقان واحد، فأتقن واحدًا. فالندم الذي يرويه الناس نادرًا ما يتعلّق بمعلم فاتهم، بل بأنهم وقفوا داخل مدينة رومانية طوال الوقت ولم يعلموا.
أن ترى الموقع كله دفعة واحدة
ثمة طريقة واحدة لإدراك الجغرافيا فورًا، وهي النظر من الجو. فمن الأرض تُقرأ المدرّجات كأنها درج وتُقرأ الأطلال كأنها مكان منفصل تمامًا. ومن فوق يتّضح أنها نظام واحد: منبع وانسكاب ومدينة. تعتمد الرحلات على الرياح وتقع في أهدأ ساعات النهار، فاعتبرها شيئًا يمنحه لك الطقس لا شيئًا تبني حوله يومك.

